السيد محمد حسين الطهراني
88
معرفة المعاد
حمد كلّ حامد يعود للّه تعالى . فيكون المقام المحمود هو المقام الذي يمثّل الواسطة بَيْنَ الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَبَيْنَ مَقَامِ الحَمْدِ . وعلى هذا فالحمد - شأنه في ذلك شأن الرحمة - هو شيء كما أنّه لا شيء . فهو شيء بلحاظ كونه حمد مطلق وظهور أقرب ، وهو لا شيء لأنّه غير الأشياء الخارجيّة ومقام الاثنينيّة ، ولأنّه المعنى الحرفيّ والاندكاكيّ والفناء الكلّيّ ، وهو ما يُعبّر عنه ب - مَقَامِ الوَلَايَةِ الكُبْرَى . كما تبيّن هذه الحقيقة الآية المباركة في سورة الضحى بكلّ صراحة ووضوح : وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى . « 1 » بما أنّ هذا الكلام مطلق أيضاً ، وأنّ العطاء المطلق للحقّ سبحانه وتعالى هو نفس الرحمة المطلقة ، فيمكن أن يكون مفاد الفناء الكلّيّ في ذات الحضرة الأحديّة جلّ شأنه هو نفس مفاد الآيتين القريبتي الذكر ، أي آية : وَمَا أرْسَلْنَاكَ إلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ، وآية : عَسَى أن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً . ومضافاً إلى مفاد هاتين الآيتين ، فالآية تمتلك جهة خاصّة أيضاً تتمثّل في معنى الرضا ، وهو الارتضاء المطلق من جميع الجهات . وفي الآية نكتة أخرى ، وهي أنّه لم يقل : حَتَّى تَرْضَى ، لأنّ عطاء الله لرسوله ( أي هذا العطاء الخاصّ ) ليس عطاءً تدريجيّاً يستمرّ بتعاقب الأعمال والكثرات والجزئيّات ، ويتوالى بتواتر الأمثال والأشباه والنظائر ، بل هو عطاء دفعيّ ، لذا فقد عبّر عنه بقوله : فَتَرْضى . وفي المقام نكات دقيقة ومسائل عرفانيّة عميقة ولطيفة تتجلّى لسالكي طريق الحقّ ، وللباحثين عن الصراط المستقيم على أمل رحمة الله تعالى .
--> ( 1 ) - الآية 5 ، من السورة 93 : الضحي .